.
.
عبد الحميد كشك وأمثاله: نماذج تطبيقية لفساد الخطاب الديني الممتد من النص المؤسس إلى اليوتيوب
ليس من قبيل الصدفة أن يجد خطاب السب والشتم والسخرية والتدخل في شؤون الآخرين أرضا خصبة في المجتمعات العربية والإسلامية، وليس من قبيل المصادفة أن يتحول بعض من يسمون بـ"شيوخ الإسلام" و"دعاته" إلى نماذج صارخة للفظاظة والغلظة والانحطاط الأخلاقي تحت غطاء دين يزعمون أنه يدعو إلى الرحمة والحكمة. إن ظاهرة "الشيخ طويل اللسان" أو "الشيخ العربجي" كما يصفها المصريون بمرارة، ليست وليدة اللحظة ولا هي نتاج اجتهاد شخصي من هنا أو هناك، بل هي امتداد عضوي وطبيعي لموروث ديني تأسس على نصوص تؤكد، بلسان المفسرين والفقهاء والمحدثين أنفسهم، أن السب والشتم والاستهزاء والسخرية ليس فقط مباحا في حق المخالفين، بل هو مسلك نبوي وإلهي يجب الاقتداء به. الشيخ عبد الحميد كشك، ذلك الخطيب المصري الذي ملأ شرائط الكاسيت في السبعينيات والثمانينيات بصوته الأجش ولهجته الهجومية، لم يخترع شيئا جديدا، ولم يأت ببدعة في تاريخ الخطاب الديني، بل كان مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الشيوخ طويلي الألسنة، الذين تربعوا على منابر المساجد ليعلنوا الحرب على كل من يخالفهم، من فنانين ومطربين ومفكرين وسياسيين وعلمانيين، دون أن يتركوا جانبا من حياة الناس إلا وتطفلوا عليه بأحكامهم القاطعة وتجريحاتهم اللاذعة.
لم يكن كشك بحاجة إلى أن يخترع نموذجا جديدا للخطاب الديني، فالنموذج كان جاهزا في كتب التفسير والحديث والسيرة. القرآن نفسه، ذلك الكتاب الذي يؤمن المسلمون بأنه كلام الله المعجز، يزخر بآيات تسخر من معتقدات الآخرين وتشبههم بالحيوانات الدنيا. يقول الله في سورة الأعراف عن الذين كذبوا بآياته إنهم "كَالْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ"، ويقول في سورة الجمعة عن الذين حملوا التوراة ثم لم يعملوا بها إنهم "كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا"، ويقول في سورة الفرقان عن الذين لا يعقلون إنهم "كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً". هذه ليست قراءات نقدية من خصوم الإسلام، بل هي النص القرآني نفسه بأحرفه، يردده المفسرون بكل فخر واعتزاز، ويؤكدون أن الله شبه الكفار والمشركين والذين لا يؤمنون بالكلاب والحمير والأنعام. فإذا كان الإله نفسه يمارس هذا النوع من الخطاب المهين والمستفز، فكيف يمكن أن نلوم شيوخا مثل كشك عندما يشبهون الفنانين بالكلاب أو يقولون عن الممثلين إنهم أبناء زنا وشر؟ إنهم ببساطة يقلدون النموذج الإلهي في نظرهم، ويعتقدون أنهم يؤدون واجبا دينيا مقدسا يتمثل في تحقير المخالف وإذلاله بأبشع الصفات.
ولم يقف الأمر عند القرآن، بل امتد إلى السنة النبوية التي يقدسها المسلمون كمصدر ثان للتشريع والأخلاق. في صحيح مسلم، وهو أحد أصح كتب الحديث عند المسلمين، يروى أن النبي محمد وصف رجلا معينا بأنه "عتل بعد ذلك زنيم"، وهو تعبير يعني في اللغة العربية أنه غليظ جاف شديد الخصومة ودعي ملصق بالقوم أي ابن زنا. هذا الحديث الصحيح عند المسلمين يفيد أن النبي نفسه لم يتردد في وصف رجل بأنه ابن حرام، وذلك بحضرة أصحابه. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: إذا كان نبي الإسلام، الذي يفترض أن يكون أسوة حسنة وقدوة في الأخلاق، يصف أحد معاصريه بهذه الطريقة القاسية، فكيف يمكن أن نستنكر على الشيخ عبد الحميد كشك أو الشيخ عبد الله بدر أو الشيخ مبروك عطية أو وجدي غنيم عندما يصفون فنانين أو إعلاميين أو ناشطين بألفاظ نابية؟ أليسوا بذلك يتبعون سنة نبيهم ويقتدون بخلقه كما يفهمونه؟ أليسوا يمارسون نفس النوع من التطبيع مع العنف اللفظي والشتائم التي يمارسها النص المؤسس نفسه؟
يدرك المتابع لظاهرة الشيوخ طويلي الألسنة أنهم يجدون غطاءهم الشرعي في هذه النصوص وفي تفاسيرها. فابن كثير والطبري والقرطبي وغيرهم من كبار المفسرين لم يعتذروا عن هذه الآيات، بل شرحوها وفصلوا فيها وأكدوا أن الله أراد بها تحقير الكفار والمشركين وإظهار دنو منزلتهم. وعلماء الحديث مثل النووي وابن حجر العسقلاني لم يحاولوا تبرئة النبي من وصفه للرجل بأنه زنيم، بل ناقشوا الرواية وأثبتوها وأفتوا بجواز لعن المعين من الكفار في بعض الحالات. وهكذا تتشكل سلسلة متصلة من الخطاب العنيف، تبدأ من النص الإلهي في السماء، تمر بالنبي على الأرض، ثم بالمفسرين والفقهاء عبر العصور، وتستقر في النهاية على ألسنة شيوخ شرائط الكاسيت والفضائيات في القرن العشرين والحادي والعشرين. هذه السلسلة هي التي تجعل من المستحيل تقريبا أن يخرج من الوسط الإسلامي خطاب ديني نظيف، محترم، غير عنيف، لا يتدخل في شؤون الناس الخاصة ولا يمارس التنمر اللفظي باسم الله ورسوله.
إن قضية "حشر الأنف" في شؤون الآخرين التي تميز بها عبد الحميد كشك وأمثاله ليست مجرد فضول شخصي أو رغبة في السلطة والسيطرة، بل هي نتيجة حتمية لنظرة شمولية متطرفة للإسلام، ترى أن الدين يجب أن يسيطر على كل جوانب الحياة الصغيرة والكبيرة، من الفن والموسيقى والغناء إلى طريقة الأكل والشرب والملبس والعلاقات العاطفية والجنسية. كشك لم يكن يعظ الناس فقط ليتركوا أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، بل كان يتهمهم بالفساد والكفر وإفساد المجتمع، وكان يرى أن من واجبه كشيخ أن ينقذ الناس من شر هؤلاء الفنانين. السؤال الذي يطرحه المنتقد العلماني أو الملحد هنا هو: من أعطى عبد الحميد كشك الحق في أن يحدد ما يسمعه الناس أو لا يسمعونه؟ من قال إن فهمه للدين هو الفهم الصحيح الوحيد الذي يجب أن يفرض على الجميع؟ ولماذا لا يكتفي كشك وأمثاله بتقديم رؤيتهم كخيار شخصي لمن يقتنع بها، بدلا من محاولة تجريم وإهانة وسب كل من يخالفهم؟
الجواب يكمن في طبيعة الدين نفسه كما يراه هؤلاء الشيوخ. الإسلام في نظره ليس مجرد علاقة بين الفرد وربه، بل هو نظام حياة شامل وعقيدة سياسية واجتماعية تريد أن تسير المجتمع كله في خط واحد تحت وصاية رجال الدين. هذه النظرة الشمولية هي التي تجعل الشيخ يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، ويشعر أنه من حقه بل من واجبه أن يقول لكل إنسان: هذا حرام وذلك حلال، هذا حلال وذلك حرام، أنت تسمع غناء فأنت فاسق، أنت تشاهد فيلما فأنت مذنب، أنت ترسم فأنت مقلد للخالق. إنه تعطش للسيطرة والفوقية لا يمكن إشباعه، وهو يتغذى باستمرار على القداسة التي يكتسبها الشيخ من كونه نائبا عن الله ورسوله في تبليغ الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يفهمها هو لنفسه.
المصريون، بطريقتهم الساخرة المحببة، أطلقوا على هذا النموذج من الشيوخ اسم "الشيخ العربجي"، في إشارة إلى رجل العصابات أو البلطجي الذي يحل المشاكل بالقوة والفظاظة ورفع الصوت. وهذه التسمية تصف بدقة ما يفعله كشك ومن على شاكلته عندما يواجهون أي رأي أو سلوك لا يعجبهم. بدلا من الحوار الهادئ والمنطقي، يلجأون إلى الصراخ والسباب والتشهير والاتهامات الخطيرة بالكفر والزندقة والفساد. وبدلا من تقديم أدلة عقلية مقنعة، يكتفون بالتكفير والتفسيق والتبديع، لأنهم يعرفون أن جمهورهم الذي يتابعهم غالبا لا يبحث عن عقلانية ومنطق بقدر ما يبحث عن إثارة وتشفي وكراهية لأعداء وهميين يتحملون مسؤولية إخفاقاته وإحباطاته.
إن الادعاء بأن هناك ما يسمى ب"علماء دين" أو "علم دين" هو في حد ذاته مغالطة كبرى يسوقها هؤلاء الشيوخ لفرض هيمنتهم على عقول الناس. فالدين في جوهره ليس علما قابلا للبرهنة والتجربة والتكذيب، بل هو مجموعة من الافتراضات الميتافيزيقية التي تؤمن بها أو لا تؤمن بها، ولا يمكن إخضاعها للمنهج العلمي التجريبي بأي حال من الأحوال. لذلك فإن إطلاق لفظ "عالم دين" على شخص يقرأ التراث ويفسره ويخرج منه أحكاما هو تكريس للوهم بأن هناك سلطة معرفية للدين تضاهي سلطة العلم في مجالات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا. هذه السلطة المزعومة هي التي يستغلها "الشيخ العربجي" ليشتم ويسب ويلعن من شاء دون أن يجد من يردعه، لأن كل من يحاول مناقشته بعقلانية يتهم بالجهل بالدين أو بعدم فهم النصوص كما يجب.
لقد سارت ظاهرة "الشيخ طويل اللسان والمنحط" أو "الشيخ العربجي" من كشك في القرن العشرين إلى وجدي غنيم ومبروك عطية وعبد الله بدر في القرن الحادي والعشرين بسلاسة مذهلة. لم تتغير الأدوات فقط من شرائط الكاسيت إلى شاشات التلفزيون ومنصات اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن الجوهر بقي كما هو: سب وشتم وسخرية واستهزاء بالمخالفين باسم الدين، وتدخل في كل تفاصيل حياة الناس دون أن يعطيهم أحد هذا الحق، وتربية الجماهير على ثقافة الكراهية والعداء لكل من يختلف، وتمرير خرافات وأساطير دينية قديمة كأنها حقائق مطلقة لا تقبل الجدل، وذلك كله تحت شعارات خداعة مثل "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" و"نصرة الدين" و"حماية المجتمع من الانحلال".
أما الذين تابعوا هذه الظاهرة عن كثب، سواء كانوا من الملحدين أو العلمانيين أو حتى من المسلمين المعتدلين الذين سئموا فظاظة هؤلاء الشيوخ وتدخلاتهم السخيفة، فإنهم يدركون أن المشكلة ليست في كشك فقط أو في وجدي غنيم فقط، بل في الأساس النصي الذي بنوا عليه خطابهم. القرآن لم يقل للرسول أن يجادل الكفار بالتي هي أحسن دائما، بل أمره بقول "تبا لكم" ولعنهم وتشبيههم بالكلاب والحمير، والسنة النبوية مليئة بأمثلة للسب والشتم واللعن المباشر من قبل النبي نفسه. لذلك فإن محاولة إصلاح خطاب الشيوخ دون إعادة النظر في هذه النصوص وفي طريقة التعامل معها هي محاولة فاشلة سابقة لأوانها، لأنها تصطدم بقداسة النص المؤسس وبرفض أي تفكير نقدي في التراث.
في النهاية، يظل السؤال الأهم مطروحا على كل من يريد الخروج من هذه الدائرة المفرغة من العنف اللفظي والانحطاط الأخلاقي باسم الدين: هل يمكن بناء مجتمع متحضر، يحترم حقوق الإنسان وكرامته، ويترك لكل فرد حرية الاعتقاد والتعبير والفن والإبداع، مع بقاء هذا الموروث النصي كما هو؟ أم أن الحل يكمن في تجاوز هذه النصوص تماما، ونبذها كمصدر للتشريع والأخلاق، والانتقال إلى عصر ما بعد الدين حيث العقل والمنطق والاحترام المتبادل هي الأسس الحقيقية للحياة الكريمة؟ تجربة الشعب المصري والعربي مع شيوخ مثل كشك وأتباعه تجيب بمرارة على هذا السؤال، وتدل على أن الطريق لا يزال طويلا وشاقا قبل أن يتحرر العقل العربي من سلطة "الشيخ العربجي" ونصوصه المسيئة.
.